محمد بن عمر التونسي
377
تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان
فرأى الرجل أمام باب الجواري ، فقال له : من أنت أيها الرجل ، وما جاء بك إلى هذا المكان ؟ فأخبره بقصته على التمام . فطلب تيراب الجارية فحضرت وهي ترتعد خوفا ، فأمنها وسألها عن الحقيقة ، فأجابته بما قاله الرجل . فلما تحقق خبرهما سمح لهما بالمحاضنة . وفي الغد عقد مجلسا من كبار دولته وقص عليهم خبر الرجل وطلب الحكم عليه فحكم البعض بقتله والبعض بسجنه والبعض بجلده . فقال السلطان : رأيي على الضد من رأيكم فان مثل هذا الرجل لا يقتل كأنه نعامة أو دجاجة ، ولا ( 119 ) يهان بسجن أو بجلد بل يربى للحروب والقتال ، فإنه لو لم يكن شجاعا مقداما لا يعرف الخوف ، ما أقدم على الدخول إلى منزلي بهذه الجرأة . وفي الحال أمر له بجواد وآلة حرب وعبدين وزوّجه بالجارية ، وجعله في مصاف فرسانه . وقد طالت إقامة السلطان تيراب في ريل مصابرة للسلطان هاشم لعله يرتدع عن شن الغارة فما زاده ذلك الا تماديا في غيه . فتحمس ثلاثة من فرسان السلطان تيراب فركبوا خيولهم وأتوا إلى النحاس فضربوه وجمعوا الناس للحرب بلا استئذان السلطان ، وكان الوقت العصر . فلبس السلطان عدة حربه وركب جواده وجاء إلى مكان النحاس فسأل الفرسان عن الخبر . فقالوا : ان نحاس السلطان هاشم أوقر آذاننا ، ونحاسنا ساكت ، فلم يعد لنا صبر على هذه الحال ، فاما أن نسكت نحاس السلطان هاشم ونردعه عن البغى أو نموت في هذا السبيل . فقال السلطان تيراب : اتبعوني إذا . فتبعوه ، ولحق بهم الجيش . فاستمر السلطان سائرا والجيش يتبعه الليل كله إلى طلوع الشمس ، فتقدم أحد الوزراء إلى السلطان وقال له : يا مولاي ، ان الجيش أنهكه التعب ولم يذق زادا . فلم يصغ السلطان اليه وواصل السير إلى العصر . فتقدم اليه وزير آخر وقال : يا مولاي ، ان الجيش قصّر عن السير حتى الفرسان . فوضع يده تحت فخذه وأخرجها